ابن قيم الجوزية

485

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) [ النحل ] . وهذا في القرآن . فإن قيل : اللام في هذا كله لام العاقبة كقوله فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ( 8 ) [ القصص ] وقوله : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ( 53 ) [ الأنعام ] وقوله : لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ( 53 ) [ الحج ] وقوله : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ( 42 ) [ الأنفال ] وقوله : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 ) [ الأنعام ] فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة ولكن لما كان الفعل منتهيا إليه ، وكان عاقبة الفعل ، دخلت عليه لام التعليل ، وهي في الحقيقة لام العاقبة ، فالجواب من وجهين : أحدهما : إن لام العاقبة إنما تكون في حقّ من هو جاهل أو هو عاجز عن دفعها ، فالأول كقوله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ( 8 ) [ القصص ] والثاني : كقول الشاعر : لدوا للموت وابنوا للخراب * فكلكم يصير إلى ذهاب وأما من هو بكلّ شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير ، فيستحيل في حقّه دخول هذه اللام ، وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة . الجواب الثاني : إفراد كل موضع من تلك المواضع بالجواب ، أما قوله فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ( 8 ) [ القصص ] فهو تعليل لقضاء اللّه سبحانه بالتقاطه وتقديره له ، فإنّ التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره ، فهو سبحانه قدّر ذلك وقضى به ، ليكون لهم عدوا وحزنا ، وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم وحسرة عليهم ، فإنّ من اختار